ذكرياتي مع الجيش والاحتلال بلشت ونا بالمدرسة, متذكرة ونا عمري 17 سنة, يا دوب كنت أوصل المدرسة  ونبلش دوام الا تجي جيبات الجيش ويبلشوا يتحركشوا في الطالبات، كنت اسمع صوت الجيب لما يزعك (يصدر صوت مزعج)، وكان صوته عالي كثير! كنت احس بالخوف، كانوا يطخوا علينا قنابل صوت وقنابل غاز، لساتني بتذكر ريحة الغاز اللي كانت تعمي عنينا وتذبح صدورنا ويا ما  بنات أغمى عليهن من ريحة الغاز.  في مرة من المرات كنا طالعين طلعة احتجاجية على الاحتلال وظلمه لما بلشوا يطخوا علينا مطاط وقنابل صوت، وحدة من القنابل اجت في رجل بنت رمتها على الارض وصرنا نساعد فيها لحد ما اجت الاسعاف واخذها

في هديك السنة ما داومنا في المدرسة الا 37 يوم لأنهم كانوا يسكروها، كان هدفهم يطلعوا جيل جاهل مش متعلم. كنا نظل اشهر واحنا في الدار لحد ما يفتحوها مرة ثانية ويعاودوا يسكروها، وهيك كانت حياتنا، بس كانوا المعلمين يعملوا صفوف في بيوتهم ويدرسوا الطلاب خصوصا الطلاب الصغار، وكنا برغم كل الظروف دايما نسعى للعلم وما نخسر السنة. بالرغم من كل هذا, حاولت اعمل اللي علي لانجح بالتوجيهي!

بتذكّر يوم ما رحت على المدرسة الصبح اجيب النتيجة، كنت انا وصاحبتي، ما نجحنا الثنتين ويمكن كنا حاسات! قديش ممكن تقدر تتجاهل كل الحرب الدايره حواليك وعقلك يقدر يروق ويدرس مادة التوجيهي بوقت فيو ناس عم تموت وتستشهد وتتصاوب!. ما بكيت مثل صاحبتي, كل اللي في بالي كيف بدي احكي لأمي اني ما نجحت، مشيت اجر تقدم واجر اتأخر، وصلت الدار وما كان في حد في الدار الا اختي الصغيرة بس، انا كنت عارف انه امي بتستنى في النتيجة، امي كان عندها مخيطة صغيرة وكنت اساعدها في الخياطة، انا وقتها ما قدرت اطلع عندها احكيلها ..  بس لما شفتها عيطت لاني حسيت اني آلمتها لامي، عيطت كثير لدرجة انها اجت وعبطتني وحكتلي معلش شو يعني بتعيدي التوجيهي كمان مرة!

مرت الايام وانا في الدار لا شغلة ولا عملة، كانت دارنا صغيرة، كنا مستأجرينها، ما كان فيها مي، كنا نعبي المي من البير وكانت الغرفة هي غرفة نوم وهي نفسها غرفة كعدة وهي نفسها مطبخ، كانت حلوة بالرغم من صغرها وكانت مليانة بالحب، طفولتي كلها كانت في هذيك الدار، بس لما كبرنا صار لازم نشوف بيت اكبر فقرروا اهلي انهم يبنوا، كان عنا ارض في قريتنا الولجة وكان حلمي اني اعيش هناك .

شفت دارنا بتنبني حجر حجر ورسمت احلام حلوة كثير فيها، رح يصير لي غرفة الي ورح يكون بيت كبير. بس  اجو الاحتلال بغمضة عين في يوم ما بنساه ، كانت امي كاعدة تخيط لما دخل ابوي وقال هيهم طالعين يهدوا الدار، شو بتقول يا زلمة؟! دار مين؟! دارنا؟! انا كنت بسمع ومش مصدقة!! كأني في حلم! طلعنا على البلد وكانت الجرافة كاعدة بتهد في الدار وبتهد في احلامي! امي راحت عليهم وكان في جنود كثير ما خلوها توصل للدار!.  لسا سخونة دموعي حاسسها على خدي ولسه الغصة لما  بتذكر اللي صار بتملى قلبي! طبعا رجعنا وبنينا الدار غصب عنهم، بس بنيناها جنب الدار المهدودة لانه ما كان معنا مصاري نقيم محل الهدم. يعني فلم الجيش بالمدرسة تحول لفلم هدم البيوت بالولجه!

مرت الايام، وفي يوم اجت صاحبتي عندي وحكتلي شو رأيك تطلعي تشتغلي معي؟ كانت صاحبتي تشتغل في مخيطة، الصراحة ، تفاجأت انه امي وافقت! وكانت هاي الشغلة نقطة تحول كبيرة في حياتي. هناك تعرفت على صاحبة العمر اللي كان لها دور كبير في تغيير حياتي,كان تشجيعها الي يعطيني قوة ويعطيني عزيمة واصرار انو لا! لازم اغير حياتي! مش لازم اقف عند اول وقعة الي، لازم اقاوم واتحدى نفسي واتحدى ظروفي واعمل اشي لنفسي، اقنعتني اني لازم اعمل برنامج وادرس وارجع اقدّم توجيهي, وفعلا بلشت ادرس وقررت اسجل واقدم. متذكرة يوم النتائج وقديش كنت خايفه ما انجح للمره الثانيه واخيب امل امي اللي كان نفسي افرحها باشي على قد ما الاحتلال مش موقف هدم وانذارات.

الاشي ما كان سهل! اني اثبت لحالي والحوالي اني قادرة! شعور حلو كثير ما بنساه يوم رحت وجبت النتيجة وحكولي اني انجحت! كانت الفرحة مش واسعتني وكان في بالي امي ساعتها! بدي افرحها! انا نجحت! اه انا انجحت! اشي مش متوقع  و مع اني ما جبت معدل منيح بس انجحت! وصلت الدار وقلبي دقاته بتنسمع عن بعد كيلومتر، كنت فرحانة! دخلت الدار وانا انادي يما يما انا انجحت ورميت حالي بحضنها  وعيطت! عيطت من الفرحه والراحه! كانت فرحتي كبيرة! وأخيرا حلمي تحقق!

اللي بتغلب على اشي كان حاسس قبل مستحيل يتغلب عليه, بصير عنده حافز وطموح, قررت ادرس بالجامعة، كنت اشتغل وادرس في نفس الوقت لانه كانت الظروف صعبة والحمدلله انهيت دراستي الجامعية وتخرجت وفرحت امي وجوزي وولادي وكنت فخوره بحالي وبانجازي ومتحمسة اتوظف وابلش اشتغل. قدمت على وظيفة واستنيت بس ما كان في حاجة ووظايف متاحه، بلشت بالبداية كمعلمة بديلة بدوام جزئي والحمدلله بعدها توظفت.

بداية وظيفتي كانت صعبة، كان المفروض اكون في وظيفتي الساعة 6 ونص الصبح لأنه كان دوام المدرسة عنا صباحي، كنا بشهر 11 وكانت الدنيا برد والاحتلال كانوا مسكرين مداخل البلد وما يخلوا سيارة تدخل ولا تطلع، وكان صعب تلاقي سيارة توصلك على الشغل في هذاك الوقت، كنت اضطر اني اطلع الصبح بدري والدنيا عتمة امشي في بين اشجار الصنوبر وانزل الطريق مشي علشان اصل وظيفتي في الوقت المحدد.  ما بنسى كمية الخوف اللي كانت جواي لما كنت امشي في العتمة لحالي وبصلي ما يطلعلي أي اشي بنص هالعتمه او الاقي الجيش او حتى حدا من اهل بلدنا يشوفني طالعه بالعتمه والليل لحالي بالخلا. بس ما كان عندي خيار ثاني لا اما بتحمل عذاب ورعب الطريق بالعتمه لاوصل شغلي عالوقت واداوم لا اما بخسر شغلي. قررت انه فش عندي خيار وبعد ما نجحت بالتوجيهي وتخرجت من الجامعه وحصلت على وظيفه هاي المره مش رح اسمح للاحتلال يهزمني وقويت قلبي وكنت امشي مسافات كل يوم وبالعتمه وما بدكو تتخيلو لما الدنيا تكون شتا ومطر ووحله.

وبيوم من هذول الايامات, بساعة متاخرة بعد نص الليل وكنت بعدني سهرانه لحالي والباقي نايمين, سمعت صوت غريب على الدرج, وبعدها دغري صوت دق قوي عالباب! ركضت صحيت محمد جوزي: "محمد محمد كوم! الجيش بيطبلوا على الباب!" وركضت احط منديل على راسي. قام محمد من نومه مفزوع وراح وفتح الباب.. ولا اكثر من 12 جندي مسلحين شكلهم بيخوف! صاروا يحكوا بالعبري، محمد حكالهم احكوا بالعربي، اخذوا هوياتنا وصاروا يسألوا وين عطا؟ وين سندس؟ انا بدون ما احس رديت عليهم شو بدك فيهم هذول ولاد صغار!! كال بيطمن فيي وبقللي "تخافيش بس بدنا نحكي معهم"! صرت اكله الاولاد نايمين! كلي صحيهم، رحت  وانا قلبي بدق من خوفي على الاولاد وبصوت واطي صرت انادي على ابني عطا "يما يا عطا قوم .. يما في حد بده يحكي معك"، صحي ابني ولما صحصح كلتله تخافش يما في جنود بره بدهم يسالوك، طلع ابني وانا سامع دقات قلبه! مسكت بايده، كان يا دوب عمره 10 سنين، لسا مش مكملهم! اخذه المسؤول عنهم وقعده جمبه وصار يسأل فيه: "انت بتضرب حجار؟ انت بتشوف اللي بيضربوا؟ اذا شفت اللي بيضربوا بتحكيلنا!" وابني بيحكي "لا! لا! ما بعرف!!"  ونفس الاشي صار مع بنتي، صحيتها وشوي شوي طلعت وهي مرعوبة! كانت ترجف من الخوف! ضليت كاعد معها وماسك بإيدها بس ما سألها زي عطا، قام محمد قلهم شو شايفينا برج مراقبة الكم؟! بدك تعرف مين حط كاميرا ولا بتوقف انت تشوف مين بيرمي حجار ... وهذا موقف بسيط من مواقف كثير بتصير معنا يومياً.  

وزي ما الشمعة بتضوي عتمة الليل ... دايما في أمل بيضوي حياتنا المليانة غيوم. قصتي صدفة ما كان مخططلها وكتشفت جانب اخر من حياتي اللي ما كنت مكتشف هذا الجانب فيها، قدرت بمساعدة نساء تعرفت عليهم من خلال المشروع انو نقوي صمودنا بالحب والتعاون، المشروع عرفني على ناس ما كنت اعرفهم وزاد ثقافتي ومعلوماتي عن قريتي وعن ارضي وعن الناس اللي منعيش معهم ، تعلمت كيف اعمل اللي بحبه وكيف ارسم حلمي واحققه. تعاونا سوا كمجموعة ستات عنا نفس الهموم والاوجاع والاحلام بعزز قوتنا وصمودنا في قريتنا الولجه وبيدعم انتاجنا وعملنا المجتمعي.