طفولتي كانت في بيتنا "العربي" (هيك كانو يسمّو البيوت القديمه) اللي كانو اهلي مستأجرينه في بيت جالا. بيتنا "العربي" كان عبارة عن غرفة كبيرة, هاي الغرفة كانت فيها بالنص خزانة ملابس  اللي بتشكل حيط او فاصل وبتقسم الغرفة الكبيرة لغرفتين مع ممر صغير بالطرف بينهن. الغرفة الاولى كانت صالون بالنهار وغرفة نوم بالليل والغرفة الثانيه كانت مطبخ وقعده بالنهار وبرضه بالليل بتتحول لغرفة نوم اللي مقسومه برضه بخزانه بالنص, نص الي ولاختي (اللي كانت اكبر مني بخمس سنين) والنص الثاني لاخوتي. باب البيت كان خشب وكبير, مفتاحه كبير من حديد, وبتسكر بزند ثقيلـ اللي هو قطعة حديد طويلة وثقيلة ومعقوفه, برضه وأنا صغيره كان فتح الباب ورفع الزند مهمّة شاقه لانه صدقاَ كان اثقل مني. الاشي الوحيد المليح كان بهالمشقة مع الباب انه قد ما كان قوي ومتين وثقيل فكنا نقدر نلعب ونتشعبط عليه ونعمل تمارين رياضه عليه.

البيت ما كان موصول بشبكة الصرف الصحي والمي مثل جيرانا, كان مصدر المي تاعنا هو البير اللي نعبيه مي بفصل الشتا ونعتمد على مخزونه طول السنه. بتذكر مليح كل سنة وقبل اوّل شتوه, كانت امي واخوتي الشباب يطلعو على السطح ينظفوه مليح من غبرة الصيف والتراب لحتى لما تمطر المي تنزل عسطح نضيف وتتجمع بالمزراب وتعبي البير مي نضيفه صالحه للشرب والاستخدام ونتأمل انه الكميّة اللي بتتجمع بفصل الشتا تكفينا طول السنة.

كنت طفلة صغيرة مع ملان اسئلة, مثلا: ليش في ناس عندها حنفيات ومي داخل بيتها  وانا لازم اعاني واتعب انزل الدلو واشد الحبل واحمل الجراديل او الطناجر اللي ملانه مي كل يوم؟! ليش لازم عشان نشرب ونغسل ونتحمم ونجلي ونطبخ نعاني وتتعب ايدينا وجسمنا؟ ليش ما عنا حمام داخل البيت؟ وليش عشان نستخدم الحمام لازم نطلع برا البيت؟

الطلعة من دفى البيت للحمام برا بفصل الشتا كانت مهمّة شاقة, لما كنت احتاج الحمام والدنيا برا مطر وبرد كنت البس كثير اواعي عشان ما ابرد وامرض, احمل شمسيّة واولّع شمعة (لانه الحمام البراني ما كان واصله كهربا) واحتياطاَ احط بجيبتي علبة كبريت عشان ما تطفي الشمعه بالطريق والاقي حالي لحالي بالعتمه.

طبعا الاستحمام نفسه كان كمان مهمّة شاقّة, كنا ننشل مي من البير ونسخنها على الغاز, نصبها بدلو او لكن  ونبرد المي المغليه بمي بارده لتزبط درجة حرارتها ونقدر نحطها على جسمنا. كنا نتحمم ب"الخشبيّة" اللي هي غرفة صغيره من الواح زينكو الها باب خشب, بين الواح الزينكو كان في فتحات يفوت منهن الضو وباب الخشبيه كان خشب بس مخلوع وكنا نركيه بايدينا ليسترنا وقت الحمام واحنا نتحمم ونكون على اعصابنا لتهب ريح قوية شوي وتطيّر باب الخشبيه وتحط اللي بيتحمم بوضع اكيد ما حدا بده يكون بداله. الخشبيه طبعا مناسبة نتحمم فيها بالصيف بس بفصل الشتا المهمه شاقة اكثر واكثر لأننا كنا نتحمم بالبيت نفسه ورا الباب الخشبي عالعتبه, يعني عشان حدا من العيله يتحمم لازم الكل يروحو عالغرفة الثانية ومنع تجول لحد ما يخلص. طبعا الجلي من المهام الشاقة برضه لأننا كنا ننشل مي من البير ونقعد على الأرض نجلي ونخلص مش قادرين من وجع أجرينا وضهرنا.

طول هالسنين وامي ابوي يشتغلو ويكدّو, ابوي كان يشتغل بالدهان وامي كانت تخيّط عالماكينة ويجمعو لحتى نقدر نبني بيت النا ملك ومش اجار, دايما كنت احلم يكنلي غرفة الي ولاختي, غرفة النا لحالنا, اقدر اسكر الباب على حالي وقت ما  بدي! واستنى وقتيش اهلي رح يبلشو ينفذو الحلم تاعي اللي فيه شايفه غرفتي حلوه ومرتبه, تختي لونه ابيض وخزانة الاواعي بس الي ولاختي, كنت اتخيل غرفتنا مدهونة الوان حلوة وملانه صور والعاب, وكنت استنى وينتا رح يصيرو بنات صفي وصاحباتي ييجو عندي واستقبلهم فيها ونلعب سوا ب "غرفتي".

اجى اليوم اللي اهلي قررو يبلشو يبنو بيتنا الجديد بارضنا الموجوده بقريتنا "الولجه", الحلم صار يقرّب ومنظر غرفتي اللي كل الوقت بسرح فيها وبتخيله بلّش يصير أوضح. وأخيراَ!! صح كان عمري تسع سنين وكنت صغيره بس على قد ما انا متحمسه كنت اروح اساعدهم واحفر معهم بالأرض لما بلشو يحفرو الأساسات. لما كنت اتعب كنت اروح اقعد عند ستي عالبلكونه واتفرج انا وياها عليهم وهمي يشتغلوا بالليل واسمع حكاياتها وقديش كنت متشوقه ومبسوطه اني رح اصير جارة ستّي, متذكره كانت تقلي: بصير كل يوم الصبح انادي عليك تروحي تشتريلي خبز! كنت كل ما اتخيل هاي المشاهد قلبي يرقص وبدي الوقت يمرق مثل الطلق لحتّى يخلص البيت وننتقل للولجه,عشت أيام ملانه طاقات وأنا اتخيل بيتنا الجديد وغرفتي وحياتنا الجديده بالولجه. متذكره كنت  ونا  مروحه من المدرسة  اتخيل حالي كيف بدي اصير اصحى الصبح بهالمكان الجميل ومناظر الجبال الحلوه, أكون نايمه بتختي وببيتنا الملك وستي جارتنا تنادي علي من البلكونه!!!

وبيوم من الأيام, روحت من المدرسة وطلعت عالدرج معجوقه كالعادة, متذكرة درجات البيت القديم الملانات عشب, سمعت أصوات ناس غريبه عنا, حسيت اشي غريب وما فهمت, كانو كثير ناس وصوتهم عالي وخفت وركضت دغري للغرفه الثاني. خفت لدرجة اني شفت كعك القدس اللي بحبه وكثير زاكي وما نبسطت ولا ركضت عليه, لقيت اختي بالمطبخ عم تعمل شاي وعيونها حمر ومنفخين وما حكت معي شي. حطيت الشنطه وسالت اختي ونا خايفه: شو في؟

-كلي كعك!!

هذا كان جواب اختي وحسيت انها مش قارده تحكي وانها مخنوقه وخفت بزياده وصار مخي يودي ويجيب!! خفت يكون حدا بحبه صاير عليه اشي! بس مش مبين انهن زعلانين على حدا او حدا صايرله اشي؟! شو صاير؟! طبعا حاولت اركي ذاني وانصت مليح شو بيحكو بالغرفه الثانيه, بس برضو ما فهمت!! لما شفت امي منهاره وعم تبكي بطريقه غريبه تاكدت انه في اشي غلط!! وانه في اشي كبير صاير! بس ما حدا من الكبار فاضي يفهمني! كنت مرعوبه وشايفه كمان اهلي ببكو وزعلانين وغضبانين بس مش فاهمه على شو! خايفه مش عارفه من شو بس عارفه انه في اشي بخوّف!!

بعد بكمن ساعه وبعد ما هديت امي شوي قرروا أهلي يطلعو على الولجه عند دار ستي, لانه فهمت انه كثير من قرايبنا وعيلتنا الكبيره موجودين هناك,  اهلي حذروني ما اروح شقة دارنا بحجة انه الدنيا ليل وممكن يوقع علي حجر او أي اشي. انا طبعا وبعد دقيقة ولما التهو عني ركضت عشان اتفرج عبيتنا واتخيل غرفتي بلكي الكبار حلو المشكله اللي عشانها جايين, بلكي رجعت هديت وبطلت خايفه. ركضت بلهفتي المعهوده لما أوصل عالولجه, فجاه جسمي كله انتفض, بدني قشعر كله وتجمدّت من المنظر اللي شفته: شفت سطح بيتنا  قطعة وحده نازلة على الأرض, وتحته البيت كله!  مقدرتش احكي ولا اتحرّك وبلشو دموعي ينزلو عوجهي!! بكيت وبكيت وبكيت!

بكيت مثل ما امي كانت تبكي ومثل ما اختي واهلي كانو يبكو , بكيت وفهمت ليش ما كانو بدهن اجي معهن أصلا!! بكيت وانا شايفه حلمي اللي كل يوم بتخيله, بيتنا, غرفتي, تختي, خزانتي والحياة الجديده تحولت لحطام ودمار وكومة حجار عالارض و ليش؟! لانه جيش الاحتلال قرر هيك!! متذكرة كيف حياتي كلها وقفت بنفس اللحظه, تغيرت وانا بطلت الطفله اللي عمرها تسع سنين وبتحلم بغرفتها وتختها الأبيض وحكايات ستها!!!صرت طفله عمرها تسع سنين بتعرف انها مش اول طفلة من اهل الولجة جيش الاحتلال بيهدمله بيته وغرفته واحلامه, وانه في أطفال الجيش هدم بيوتهن على اغراضهم واوعيهم وكتبهم والعابهم! طفلة من ما  وعيت وهي تحلم بالبيت الملك والغرفه والمي والحمام المريح والحياة الجديده وشافت كيف تعب أمها وابوها, تعب السنين كله راح بهواية جرّافة وبيت الاحلام صار حطام عالارض! صرت طفله واعية انه بلدها تحت احتلال, انه في ظلم وفي خطر وممكن باي لحظه حياتك تتغير واحلامك تنهدم بدون ما تقدر تعمل اشي!!

سرحت قديش في أطفال دفنو أحلام والعاب وكتب واواعي وشغلات بحبوها ومتعلقين فيها تحت الركام والبيوت المهدّمه. صرت طفله واعيه انه الحياة مش سهله وعرفت انها ملانه تحديات من عُمر صغير, وفهمت انه احنا عايشين تحت خطر يومي اسمه احتلال اللي بخليك تفهم حالة الخوف والقلق وعدم الأمان اللي ما كانت مفهومه لالي  عند الكبار , لما شفت اللي شفته وسمعت اللي سمعته هذاك اليوم رجعت طفلة ثانيه غير اللي كانت تركض مبسوطه بطريقها للبيت قبل بس كمن ساعة, في اشي تغيّر فيي وللابد!

امي وابوي اللي كانو مكسورين عالاخر, ما كان عندهن خيار  غير انهن يرجعو يكملو يجمعو من جديد مصاري ليقدرو يبنو البيت كمان مره. وهاي المره اشتغلو ليل ونهار وبرغم ظروفنا الصعبه الا انهم بالاخر بنوا بيتنا, وبدل ما انتقل وأنا طفله عمري  تسع سنين عليه واعيش باقي طفولتي فيه, انتقلت عليه ونا عمري 17 سنة. عشت بالبيت الجديد سنه كانت من احلى سنين حياتي, وأخيرا صار  الي غرفه الي لحالي ببيت ملك لاهلي!! صح مش كيف كنت اتخيل ولا بالوقت اللي كنا بدنا إياه بس بالاخر قدرنا نعيش بالولجه, بارضنا وببيتنا وجنب ستي. حسيت السنه اللي عشتها ببيت اهلي هدية قبل ما انتقل لبيت جوزي.

اليوم انا ساكنه بالولجه وعضو في المجلس النسوي، بعمل جهدي أنشر الوعي القانوني بين سكان القرية المعرّضين لانتهاكات حقوق الانسان من قبل الاحتلال. ببكي في كل مرة بينهدم فيها بيت فالقرية، ببكي بحرقة الطفله اللي عمرها  تسع سنين وشافت حلمها قدامها مهدوم.  بس لاني تعودت برجع بوقّف وبساعد أهل قريتي بكل ما بقدر. بحاول أشارك حكايتي وحكاية قريتي الولجه لكل العالم, عشان العالم يعرف  الحقيقة, عشان نأثر ونعمل تغيير وعلى امل نحمي الأطفال ونمنع كمان طفل او طفله يعيش صدمة فقدان البيت والأمان اللي انا عشتها كل طفولتي.